جيرار جهامي

836

موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس )

الحكمة العملية فيها أيضا معرفة ونظر ، فجعل غايتهما المعرفة ؛ والحكمة العملية عمل لا نظر - قد أجمع على هذا الأولون والآخرون . الجواب : ما أكثر ما وقع للناس الغلط باشتراك الأسماء المستعملة في تعاليم الفلسفة على اشتراكها ، وخصوصا حيث يقال : نظري وعملي ، في مواضع مختلفة ويدلّ بها على دلائل مختلفة . ولا أطوّل ما أنا فيه ببيان ذلك ؛ فإن اشتهى ذلك مشته أمكن سماعه شفاها . وقد وقع ذلك في استعمال لفظة العملي مركّبة بلفظة الحكمة ، أعني إذا قيل : حكمة عملية ، فإن ذلك يدلّ عند الفلاسفة على معنيين ، ولخفاء ذلك على أبي حامد الإسفزاري ظنّ أن إحدى الفضائل هي الحكمة العملية ، لم يحسن من أوجب فيها التوسّط وجعل الازدياد في معرفة الواجبات العملية رذيلة ؛ فبنى أمره على أن الفضائل ثلاثة : حكمة وشجاعة وعفّة ، وجعل الشجاعة والعفّة واسطتين ، وجعل الحكمة غير واسطية . وأما وجه هذا الاشتراك فإن الحكماء إذا قالوا إن الفضائل ثلاثة ، ومجموعها العدالة - عنوا بذلك الفضائل الخلقية ، وإذا قالوا إن جماعها ينحصر في شجاعة وعفّة وحكمة عملية ، فإنما حصروها في فضائل خلقية . وكذلك إذا قسموا أفعالها إلى شجاعة وعفّة وحكمة عنوا بالحكمة فعلا يصدر على الجميل في الأمور التدبيرية عن الخلق أو عن ضبط النفس . فهذه الحكمة العملية هي فضيلة خلقية ، بل هي ملكة تصدر عنها الأفعال المتوسّطة بين أفعال الجربزة ( الخبث ) والغباوة صدورا من غير روية وعلى سبيل ما يصدر عن الأخلاق . وإذا قالوا : من الفلسفة ما هو نظري ، ومنه ما هو عملي - لم يذهبوا إلى العمل الخلقي ، فإن ذلك ليس جزءا من الفلسفة بوجه ، فإن الملكة القياسية غير الملكة الخلقية ؛ بل عنوا به معرفة الإنسان بالملكات الخلقية بطريق القياس والفكر : أنها كم هي ؟ وما هي ؟ وما الفاضل فيها وما الرديء ؟ وأنها كيف تحدث من غير كسب ، وأنها كيف تكتسب بقصد ؟ وأيضا معرفة السياسات المنزلية والمدنية ، وبالجملة ما يعمّ الأمرين ، بل بالجملة المعرفة بالأمور التي إلينا أن نفعلها ، إما فينا ملكات وانفعالات ، وإما من خارج بحسب المشاركة ؛ وهذه المعرفة ليست غريزية ، بل تكتسب ؛ وإنما تكتسب بنظر وقياس وروية تفيد قوانين وآراء كلية ، وهي التي تفيدناها كتب الأخلاق والسياسات التي إذا تعلّمناها نكون اكتسبنا معرفة وتكون حاصلة لنا من حيث هي معرفة . وإن لم نفعل فعلا ولم نتخلّق تخلّقا فلا تكون أفعال الحكمة العملية الأخرى موجودة لنا ولا أيضا الخلق ، وتكون لا محالة عندنا معرفة مكتسبة يقينية حقيقية ، وكل معرفة يقينية حقيقية فهي حكمة أو جزء حكمة . وليست هذه المعرفة عندنا حكمة طبيعية ، ولا حكمة رياضية ، ولا حكمة إلهية . فليست حكمة نظرية إذا كان اسم النظري يخصّ بهذه الثلاثة أو بما يجمع هذه